أسعد السحمراني

166

الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة

ونقيضها من الفضائل ، فتوقف أول ما توقف أمام « الطمع » الذي يقود إلى ذلّ النفس ، وإلى استخدام كل وسيلة من أجل الوصول إلى المبتغى حتى لو كان ذلك على حساب آدمية الإنسان ، وعلى حساب العزّة ، وسموّ النفس . « فالطمع إذا أصل لكل ذلّ ، ولكل همّ ، وهو خلق سوء ذميم ، وضدّه نزاهة النفس ، وهذه صفة مركبة من النجدة والجود والعدل والفهم » « 1 » . الطمع أصل لكل ذلّ لأنه يفتح الباب على مصراعيه لتحقيق الشهوات ، فيصبح الإنسان جشعا لا يعرف للقناعة معنى ، وتصبح اللذات الحسّيّة غاية عنده مما يشوّه الصورة الآدمية للإنسان المتمثّلة في التعقّل والحكمة ، فما من نوع من أنواع الفساد والرذيلة إلّا وكان وراءه طمع ورغبة في شهوة ما . فالذي يطمع بالمال قد يسرقه ، وقد يحتال ، أو يحتكر ، أو يستغلّ غيره لتحصيله ، والذي يطمع باللذة الجنسية قد يستبيح قواعد الحشمة ويرتكب الفاحشة ، والروابط الزوجية والأسروية ليحقّق لذته . . . الخ . فالطمّاع إنسان نهم شره على المأكول والمشروب والمنكوح لا يرضى بالقليل أو الكثير منه ، بل كلّ ما حصل على شيء منه تاق للمزيد ، فإناء الشهوة يتسع باستمرار ولا حدود له . انطلاقا من ذلك كان المؤمنون يلتزمون العفة ويعملون على تنزيه النفس عن كل ما يشينها من اتباع الشهوات ، وهذا ما جعل بعض الزهّاد والمتصوفة يصلون لدرجة تعمّد قهر قوى النفس الشهوانية وذلك تزكية لها ، وسموّا بها عن عالم المادة . وعلى هذا الأساس عدّت نزاهة النفس رأس الفضائل لأن من يكون نزيه النفس معناها أنه قد فهم معاني الفضيلة ومارسها فصارت طبعا له . فالإنسان الفاضل هو من تميّز بقدرة على تزكية نفسه وتنزيهها عن كل شائنة . إن نزيه النفس يتساوى عنده الكسب والانفاق ، والأخذ والعطاء ، فتصغر الحسّيّات في نظره ، وتصبح الماديات وسائل للعيش وليس غاية . هذا

--> ( 1 ) ابن حزم ، م . س ، ص 53 .